الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

132

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ذكر اللفظ هاذلا وبالثّلاثة ما إذا كان القائل حاكيا لها عن الغير فإنه لا يريد بها الامتثال وفيه أولا لزوم الدّور لأخذه الأمر في حد الأمر وثانيا أن الأمر إن كان بمعنى الصّيغة فكيف يراد بالصيغة الدلالة عليه وإن كان غير الصّيغة فكيف يفسرهما وقد يذب عنهما بأن الأمر المأخوذ في الحد غير ما هو المقصود من المحدود فإن المراد به في الحد هو مدلول الصيغة وفي المحدود نفس الصيغة فقد أخذ مدلول الصيغة في حدّها ولا دور فيه نعم قد يرد عليه أنه أحاله على المجهول إذ هو في الجهالة كنفس المحدود وثالثا أن إرادة الامتثال لا يوجب خروج الصّيغة الصادرة عن المبلغ إذ قد يقصد بتبليغه حصول الامتثال ولم يؤخذ في الحد قصد امتثال خصوص القائل ورابعا أن تخصيصه بصيغة افعل يوجب إخراج سائر الصيغ الموضوعة له في العربية وغيرها وقد يقال بأن صيغة افعل من الأعلام الجنسية فهي موضوعة لمطلق الصيغ الموضوعة لطلب الفعل سواء كان على وزن افعل أو غيره وقد عرفت ما فيه مضافا إلى عدم شموله للأوامر الصادرة بغير العربية من سائر اللغات مع شمول الأمر لها قطعا ومنها ما حكي عن بعضهم من أنه صيغة افعل على تجردها عن القرائن الصّارفة لها من جهة الأمر إلى جهة التهديد وغيره وفيه مع اختصاصه بصيغة افعل فلا يشمل غيرها من الصيغ إن أخذ الأمر في حدها يوجب الدور أنه يندرج فيه الصيغة الصّادرة على سبيل الهزل مع الخلو عن القرينة الدالة عليه فإنها ليست بأمر في الواقع وإن اعتقد المأمور ذلك وكذا الحال فيما إذا استعملت في غير الطلب مع خلو الكلام عن القرينة وهذه الحدود كلها معرفة له بالصّيغة والقول الصادر وإن أمكن حمل ما ورد منها في كلام الأشاعرة على الخطاب النفسي أيضا وهناك حدود آخر معرفة له بالمعنى المدلول عليه بالصيغة منها ما حكي عن جماعة من المعتزلة من أنه إرادة الفعل وفيه أنها مطلق إرادة الفعل لا يعد أمرا إذ هي أعم من الطلب حسبما سنشير إليه وأنه قد يريد الفعل ولا يبرزه بصيغة الأمر بل بالإشارة ونحوها وأن إرادة الفعل حاصلة في الملتمس والداعي وليست بأمر وأنه يخرج عنه اترك ونحوه وقد يذب عن بعض ذلك بما لا يخفى ومنها ما حكي عن بعض الأشاعرة من أنه طلب فعل على وجه يعد فاعله مطيعا وفيه أن الطاعة موافقة الأمر فيدور ويمكن دفعه بما مر وأنه يندرج فيه الطلب الحاصل بغير الصّيغة المخصوصة من سائر الأقوال كالخبر المستعمل في الإنشاء والإشارة والكناية وقد يندرج فيه الالتماس بل الدعاء في وجه ومنها ما حكي عن جماعة من الأشاعرة أيضا من أنه خبر عن الثواب على الفعل وعن آخرين منهم أنه خبر عن استحقاق الثواب على الفعل وهما في غاية الوضوح من الفساد ومنها ما حكي عن إمام الحرمين في بعض تصانيفه من أنه استدعاء الفعل بالقول عمن هو دونه على سبيل الوجوب وفيه أنه يندرج فيه الطلب الحاصل بغير الصّورة المخصوصة كالخبر المستعمل في معنى الأمر وأنه يندرج فيه طلب المتخفض إذا كان عاليا مع اندراجه في الدّعاء وأنه يخرج عنه طلب المستعلي إذا لم يكن عاليا فإنه يخرج عنه اترك ونحوه ويمكن الجواب عن بعض ذلك بما لا يخفى ومنها أنه طلب الفعل على جهة الاستعلاء اختاره الآمدي في الأحكام وفيه أنه بظاهره يخرج عنه طلب العالي مطلقا فإن الظاهر من الاستعلاء هو طلب العلو الحاصل من غير العالي ومع الغض عنه على الأعم منه لظهور أنه المراد في المقام فالعالي قد لا يلاحظ علوه حين الأمر ولا يخرج بذلك خطابه عن كونه أمرا كما سنشير إليه إن شاء الله وأنه يخرج عنه طلب الترك مع اندراجه في الأمر وقد يدفع بأن المراد بالفعل هو الحدث المدلول عليه بالمعنى المساوي فيشمل الترك والكف المدلولين للمادة ونحوهما وأنه يندرج فيه الطلب الحاصل بالإشارة والكناية والخبر المستعمل في معنى الأمر وقد يذب عنه بأنه مبني على ثبوت الكلام النفسي والطلب الحاصل بالإشارة ونحوها نحو منه فلا مانع من اندراج ذلك فيه وإن لم تكن الإشارة الدالة عليه أمرا ومنها ما اختاره العلامة رحمه الله في النهاية والتهذيب من أنه طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء ويرد عليه ما أورد على الحد السابق سوى شموله للطلب الحاصل بغير القول وأنه يندرج فيه ما إذا كان الطلب على سبيل الندب مع أن المندوب ليس بمأمور به عنده والقول بخروج ذلك بملاحظة الاستعلاء إذ لا استعلاء في الطلب الندبي غير متجه لما سنشير إليه إن شاء الله ومنها ما اختاره الحاجبي من أنه اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء ويرد عليه جميع ما يرد على السابق عليه سوى انتقاضة بالأمر الندبي فإن المندوب مأمور به عنده ويرد عليه أيضا شموله للاقتضاء الحاصل بغير القول وخروج كف نفسك عنك فإنه اقتضاء كفّ وقد يجاب عن الأول بما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله وعن الثاني تارة بأن المراد الكف عما هو مأخذ الاشتقاق عند عود الكلام إلى اللفظي فيدخل فيه الكف عن الكف وأخرى بأن المراد أنه عند عود الكلام إلى اللفظي لا يكون دالا على الكف بصيغة فيندرج فيه كف لدلالته عليه بالجوهر وهو راجع إلى الأول وثالثا بأن الكف عن الفعل قد يكون ملحوظا بذاته مقصودا بنفسه فيكون كسائر الأفعال المطلوبة وقد يكون ملحوظا من حيث كونه متعلقا بغيره وحالا من أحوال ذلك الغير كما هو الحال في الكف الملحوظ في النهي فإنه إنما لوحظ من حيث كونه حالا للنهي عنه فهو إذن غير مستقل بالمفهومية والمقصود بغير الكف في المقام هو الثاني فلا نقض ورابعا بأن الكف قد يكون مقصودا بذاته وقد يكون مقصودا لحصول الترك به فالفرض الأصلي إذن عدم الفعل لكنه لما لم يمكن تعلق التكليف به لكونه غير مقدور جعل تعلقه بالكف وسيلة إليه فليس الكف مقصودا بذاته بل لكونه موصلا إلى غيره والمقصود في المقام هو الثاني وأنت خبير بضعف الجميع فإن تقييد الكف بما إذا كان عن مأخذ الاشتقاق مما لا دليل عليه في الحد بل الظاهر من الإطلاق خلافه فإن أريد بالفعل المتعلق للطلب فعل مأخذ الاشتقاق كان قوله غير كف حينئذ لغوا وإن أريد به نفس مأخذ الاشتقاق كفي ومنه يظهر الحال في الثاني ثم إن الظاهر من استثناء الكف كونه ملحوظا بذاته إذ لو كان ملحوظا لغيره كان متعلق الطلب في الحقيقة هو ذلك الغير دون الكف وهو خلاف ظاهر الإطلاق ومع الغض عن ذلك فلا أقل من تساوي الوجهين وهو كاف في الإيراد هذا وظاهر هذه الحدود المأخوذ فيه الطلب وما بمعناه جنسا يعطي كون الأمر موضوعا بإزاء المعنى دون اللفظ وهو ينافي ما نصوا عليه من الاتفاق على كونه حقيقة في القول المخصوص وقد ذكر الكرماني عند الكلام في الحد الذي ذكره الحاجبي أن الواجب عليه أن يقيد الاقتضاء باقتضاء القول لأن حقيقة الأمر لا بد فيها من القول اتفاقا وبهذا يظهر ضعف ما قيل من أن الأمر بالحقيقة هو اقتضاء الفعل أعني ما تقوم بالنفس من الطلب وتسمية الصيغة بالأمر مجاز وكان ما ذكره مبني على ما ذهب إليه بعض الأشاعرة